السيد كمال الحيدري
394
اللباب في تفسير الكتاب
تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ ) ( لقمان : 31 ) . والتحقيق أن يقال : إنّ الأصل الواحد في هذه المادّة يفيد طيب عيش وحسن حال ، ويقابله البؤس وهو مطلق الشدّة والضيق ، وقد يجعل في قبالها الضرّ ، وهو الشرّ المتوجّه للشئ ويقابله النفع ؛ قال تعالى : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّى إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ) ( هود : 10 ) فإنّ الضرّ يوجب سلب الطيب والسعة في الحال ، فهو من مصاديق البؤس . والنَّعمة كالرحمة مصدر ، وكذلك النُّعومة بمعنى الطيب كما قال تعالى : ( وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * ونعمه كانوا فيها فكهين ) ( الدخان : 27 26 ) يراد الذين كانوا في طيب عيش وسعة في حياتهم . والنِّعمة كالجِلسة للنوع ، وتدلّ على نوع خاصّ من التنعّم ، ومصاديقها كثيرة ؛ قال تعالى : ( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ) ( آل عمران : 103 ) وقال : ( لَوْ لَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ ) ( القلم : 49 ) . وجمع النِّعمة : النِّعم والأنعُم ؛ قال تعالى : ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) ( لقمان : 20 ) وقال : ( فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ ) ( النحل : 112 ) فالنِّعم : جمع كثرة ، ويستعمل في الأفراد الكثيرة كما في الآية الأولى ، فإن المراد إسباغ مجموع النّعم ، والأنعُم : جمع قلّة ويستعمل في القلّة وفى ما دون العشرة غالباً ، كما في الآية الثانية . والنَّعماء : اسم محدود كالصحراء ، ويدلّ على النِّعمة الممتدّة ؛ قال تعالى : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ ) ( هود : 10 ) ولا يناسب جعله جمعاً ولا مصدراً ولا صفة كما لا يخفى . و « النعيم » على وزن فعيل ، يدلّ على صفة ثابتة ، فيراد به ما يثبت فيه طيب